محمد عبد الرازق معيوف
كاتب فلسطيني | مؤسس مشروع «أدب فلسطيني مقاوم»

من حيث بدأت
وُلدتُ في الرابع عشر من ديسمبر/كانون الأول عام 1983، في مخيم البريج، أحد مخيمات المحافظة الوسطى في قطاع غزة.
نشأتُ في بيئة المخيم بكل ما تحمله من بساطة وقسوة، ومن ذاكرة جماعية مثقلة باللجوء والفقد، حيث تتقاطع الحكاية الشخصية مع الحكاية الفلسطينية الكبرى منذ الطفولة الأولى.
تنتمي عائلتي إلى مدينة بئر السبع، التي هُجّر منها جدّي عقب نكبة عام 1948، ليستقر لاحقًا في قطاع غزة، متنقلًا بين مخيم النصيرات ومخيم البريج، قبل أن تتشكل أسرتنا في مخيم البريج.
في هذا الفضاء الضيق، تشكّل وعيي الأول، وتفتحت عيناي على معنى الهوية، والانتماء، والحرمان، والمقاومة اليومية للحياة.
البيت الأول: الأسرة، والأب، والبذرة الثقافية
نشأتُ في أسرة محافظة، متدينة، محبة للأدب والثقافة والفن.
كان والدي، عبد الرازق معيوف عبد الله (رحمه الله)، فنانًا تشكيليًا بالفطرة، ومحبًا للقراءة، وذا نزعة سردية وحكائية لافتة.
كان يجمعنا أطفالًا، ويسرد علينا القصص، ويتحدث عن الأدب العالمي والمترجم، ويترجم أحيانًا نصوصًا بنفسه بدافع الشغف لا التخصص.
في هذا البيت، لم تكن الثقافة ترفًا، بل جزءًا من التربية.
تشربنا حب الكلمة، والصورة، والحكاية، وتشكّلت ذائقتنا الجمالية باكرًا.
وكان لإخوتي، وعلى رأسهم شقيقي الأكبر نسيم عبد الرازق معيوف عبد الله، دور كبير في تعميق هذا المسار، خاصة في توجيهي نحو القراءة والرواية والاطلاع المبكر على عالم الأدب.
اللحظة التي تعلّقت فيها بالكتب
في طفولتي، وخلال سنوات الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كنت طفلًا يذهب إلى المدرسة فيما تدور حوله مشاهد الاعتقال، والقمع، والمواجهة بالحجارة.
في تلك الفترة، دخلت الرواية إلى حياتي من باب الدهشة.
أذكر ليلة شتوية كان شقيقي نسيم يروي فيها أحداثًا مشوقة لأخي الأكبر، فظننتها فيلمًا سينمائيًا.
في اليوم التالي، اكتشفت أن ما سمعته لم يكن فيلمًا، بل رواية من سلسلة «رجل المستحيل».
كانت تلك اللحظة نقطة تحوّل: أن تكون كل هذه الإثارة والتشويق والحبكة داخل كتاب.
منذ ذلك اليوم، أصبحت القراءة فعل اكتشاف لا واجبًا مدرسيًا،
وتحوّلت الرواية، ثم القصة، ثم الخاطرة، إلى مساحة أتنفّس فيها وأسأل وأتخيّل.
التجربة، والانتفاضة، والاعتقال
لم تكن الكتابة معزولة عن الواقع.
في سنوات الانتفاضة، تعرّضتُ للاعتقال والضرب على يد جنود الاحتلال داخل المخيم، وهو ما ترك أثرًا نفسيًا عميقًا، ورسّخ بداخلي سؤال القوة، والبطولة، والمواجهة.
كبرتُ وأنا أبحث، عبر الأدب، عن صورة البطل الفلسطيني القادر على مواجهة القهر، لا بوصفه أسطورة، بل إنسانًا من لحم ودم، يشبه من رأيتهم في المخيم، ويشبه أولئك الذين عرفتهم لاحقًا كمطاردين ومقاومين حقيقيين على الأرض.
من الدراسة إلى المنفى المؤقت
بعد الثانوية العامة، درستُ القانون في العراق، ثم عدتُ لاحقًا إلى غزة لاستكمال دراستي في جامعة الأزهر.
ظلّت الكتابة رفيقة الطريق، دون احتراف كامل، بسبب قسوة الظروف، وضيق المساحة، وغياب الحاضنة الثقافية المستقرة.
خلال محاولات الهجرة الأولى، وفي تجربة قاسية في روسيا، وتحديدًا في مدينة مورمانسك قرب الدائرة القطبية، كتبتُ المسودات الأولى لعدد من المشاريع الروائية التي ستتحول لاحقًا إلى سلاسل مثل: مطارد، مذكرات لاجئ، مغامرات ثائر، وغيرها.
كانت الكتابة آنذاك وسيلة نجاة، لا مشروعًا منشورًا.
التجربة الثقافية والعمل الفني
بعد عودتي إلى غزة عام 2013، سعيتُ لتحويل الشغف إلى فعل جماعي، فأسستُ فريقًا فنيًا ثقافيًا شبابيًا، وشاركتُ في إنتاج عدد من الأفلام القصيرة والأعمال المسرحية.
شاركتُ بأحد الأعمال في مهرجان سينمائي للهواة في الجزائر عام 2015، وحصلتُ على جائزة أفضل سيناريو عن فيلم غريق على الطريق.
عملتُ لاحقًا في مؤسسة ثقافية في غزة ككاتب ومحاضر في السيناريو، وأشرفتُ على برامج ثقافية ومسرحية، قبل أن أتعرض للفصل التعسفي.
ورغم الانقطاع القسري، واصلتُ العمل المستقل، وكتابة النصوص، وإنتاج محتوى ثقافي مرئي ومسموع بجهد ذاتي.
الفقد الكبير: حين تحوّلت الكتابة إلى مسؤولية
في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، ابتداءً من السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرّضت أسرتي لفقدٍ لم يكن حادثةً واحدة، بل مسارًا متواصلًا من الصدمة.
في اليوم الأول للحرب، استُشهد أخي عبد الستار.
وبعد أيام قليلة، في الحادي عشر من أكتوبر، فقدت أخي بلسم، وشقيقتي الوحيدة سهى، وخالتي المسنّة، إثر قصفٍ دمّر حيًّا سكنيًا كاملًا، وأودى بحياة عشرات من الجيران والأقارب.
تتابع الفقد بعد ذلك:
استُشهد أخي نسيم في نوفمبر 2023،
ثم أخي إبراهيم في يناير 2024،
واختُتم هذا النزيف الإنساني باستشهاد والدي في فبراير 2024.
خلال خمسة أشهر فقط، فقدت والدي وخمسة من أشقّائي، بينهم شقيقتي الوحيدة.
وكان قد سبق هذا الفقد، في حرب عام 2014، استشهاد ابن أخي الطفل أحمد.
أربعة من إخوتي كانوا متزوجين، وتركوا خلفهم أربعة عشر طفلًا يتيمًا، صاروا فجأة بلا آباء، وبلا حماية، وبلا مستقبلٍ واضح.
عند هذه النقطة، لم تعد الكتابة خيارًا جماليًا أو فعلًا فرديًا، بل تحوّلت إلى مسؤولية أخلاقية، وإلى شكلٍ من أشكال الوفاء، وحفظ الذاكرة، ومقاومة المحو.
أكتب، لأن الصمت بعد كل هذا لم يعد ممكنًا.
لماذا «أدب فلسطيني مقاوم»؟
من هنا وُلد المشروع.
لم يولد من فراغ، ولا من رغبة في الظهور، بل من مسار طويل من التجربة، والفقد، والأسئلة، ومحاولات النجاة.
«أدب فلسطيني مقاوم» محاولة لجعل الكلمة امتدادًا للحياة، لا بديلاً عنها،
ومساحة لتكريم من رحلوا، لا بالبكاء عليهم، بل بجعل أسمائهم جزءًا من أثرٍ باقٍ.
القيم، والإيمان، والبوصلة
أنا إنسان قبل أن أكون كاتبًا.
نشأتُ على قيم الالتزام الديني، والانضباط الأخلاقي، والاعتزاز بالهوية، ورفض الظلم أينما كان.
أؤمن بأن الأدب مسؤولية،
وأن الكلمة أمانة،
وأن الحرية لا تنفصل عن القيم.
وأرى أن الفن الحقيقي هو ما ينحاز للإنسان، ويخدم الحق، ويترك أثرًا نافعًا.
كلمة أخيرة
ما أكتبه اليوم امتداد لمن سبقوني، ووفاء لمن رحلوا، ومحاولة لترك أثرٍ طيبٍ لمن سيأتون بعدنا.
إن كان لهذا المشروع أن يستمر، فليكن لأنه يحمل معنى، ويخدم قضية، ويصون ذاكرة، لا لأنه مجرّد اسم أو موقع.
تابع رحلتك هنا
للاطلاع على المشروع والأعمال والتواصل، استخدم الروابط التالية:
